نقلا ً : عن الأسبوع
بقلم المفكر الشهير : محمد سليم العوا

فى كتاب "فتوح مصر وأخبارها" لعبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم المتوفى عام 257 هجريه وهو أوثق المراجع وأهمها وأقدمها فى تاريخ الفتح الإسلامى لمصر والمغرب، قصة مسندة تقول:أن نفراً من القبط كانوا يتحدثون إبان الفتح الإسلامى عن التوفيق الذى يحالف عمرو بن العاص ومن معه "فقال بعضهم لبعض:ألا تعجبوا من هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم،وإنما هم فى قلة من الناس،فأجابه رجل منهم فقال : إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه،حتى يقتل خيرهم"فقام إليه رجلٌ من العرب ،كان يرعى غنمه ،وسمع كلام القبطى وأراد أن يأخذه إلى عمرو بن العاص ليسمع منه ما قال،فتكاثر أصحاب القبطى وغيرهم يطلبون من العربى تركه ،فتركه،ثم أن مجلسا ضم عمرو وبعض أصحابه وبعض أهل مصر من القبط الذين كانوا دعوا عمرو وأصحابه إلى طعام صنعوه،فلما فرغوا من طعامهم سألهم عمرو كيف رأيهم أمرنا؟ قالوا:لم نر إلا حسنا فقال الرجل القبطى الذى قال فى المرة الاولى ما قاله لهم:"إنكم لن تزالوا تظهرون على كل من لقيتم حتى تقتلوا خيركم رجالا" فغضب عمرو،وهمَ بالرجل ،فقام إليه أصحابة وقالوا:إنه لايدرى مايقول ،فمازالوا بعمرو حتى خلصوا القبطى منه ،فلما بلغ عمرو بن العاص قتل عمر بن الخطاب أرسل فى طلب القبطى،فوجده قد مات .فقال عمرو بن العاص:"عن قتل عمر بن الخطاب "هذا ماقال القبطى فلم بلغه أن الذى قتل عمر هو أبو لؤلؤة المجوسى "وكان على دين النصرانية"قال:ليس هذا إنما عَني من يقتله المسلمون .
فلما قتل عثمان بن عفان قال عمرو:"عرفت أن ماقال القبطى حق"!! "فتوح مصر ص49و50". .
وحاصل هذه النبوءة القبطية الصادقة ان أمر الناس الذين يجعل الله التوفيق حليفهم ،والنصر على من حاربهم معقودٌ للوائهم ،يبقى على ذلك حتى يصبح بأسهم بينهم،وحتى يتحولوا من الطاعة إلى المعصية،ومن العدل إلى الظلم ،ومن حفظ الحقوق والحرمات والدماء إلى إهدارها واضاعتها، وعدم الإكتراث بها . عندئذ يبدأ بنيانهم في الأنهيار ،وحضاراتهم في التراجع الي الخلف ،ويتحول نصرهم الخارجي الى هزيمه داخليه تزلزل اركان البنيان الذى شيده أوائلهم من اهل العدل والحق والصدق والانصاف .
وليس القانون الذى تتضمنه هذه النبوءه القبطيه خاصاً بالعرب المسلمين، ولا هو خاص بعصره وما عرفه من احوال الناس فيه ،ولكنه قانون عام يجرى على الأمم كلها ،في توالى عصورها وتتالى أطوارها بين عظمة وإنهيار ،ونهضة وهزيمه ،وحضارة وتخلف.
واذا كان اهل الماء أولى بشربه ، وأهل الخير أولى بالإنتفاع به وأهل العلم أولى بالعمل بموجبه ، فإننا ونحن أهل مصر ،ومنا كان هذا القبطي الحكيم ، أولى الناس بالأنتفاع بأثر نبوءته ،وبالعمل علي ألا ينطبق علينا ، بسلوكنا الخاطئ ، القانون الذى تنطق به وتدل عليه .
فهــــــــل نحــــــــن كــــــــذلك؟
إن واقعنا الذى نعيشه ينطق بالنفي !!
فأكثر بأسنا بيننا ،وأقله علي عدونا ونحن نتقاتل في الداخل علي التنافس علي المصالح،ونهمل شأن العدو الذى يريد إبادة المتنافسين جميعا والقضاء علي المصالح كلها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق